الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 دفـــاع عن العلمانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسام



ذكر عدد الرسائل : 545
تاريخ التسجيل : 02/04/2007

مُساهمةموضوع: دفـــاع عن العلمانية   الأحد مارس 23 2008, 01:43

دفـــاع عن العلمانية
بقلم أحمد عبد الحليم حسين
فصل الدين عن السياسة والسياسة عن الدين عبر عنه فى كلمة/مصطلح "العلمانية" بفتح العين نسبة إلى العالم أو بكسرها نسبة إلى العلم وهذه الكلمة / الاصطلاح قدمتها الحضارة الأوروبية بعد تجربتها وخروجها منتصرة من ظلام العصور الوسطى إلى الأنوار والنهضة والثورة الفرنسية. وقد حسمت القضية لصالح الدين ولصالح السياسة معا. وذلك بالفصل بينهما ، فلا يتدخل واحد فى مجال الآخر فيسوءان معا. لكن اللفظ/المصطلح مازال يثير غبارا وضبابا فى مصر ، وهو فى نظرنا غبار وضباب مقصود ، لحجب الأنوار عن طريق الشعب فى التحرر وتصحيح المفاهيم ، وهى تعمية مقصودة لتضليل الجماهير عن مصالحها ومعرفة أعدائها وأصدقائها.
وسوف نتحدث فى هذا المقال عن ظروف نشأة المصطلح فى معترك الصراع الاجتماعى الأوروبى ، ومعناه ومضمونه. وسنتناول هل له نظير فى تاريخ الحكم الإسلامى؟ وهل تتعارض العلمانية مع الدين الإسلامى؟ وهل هى غريبة عن المجتمع المصرى؟
الدين الإسلامى والدين المسيحى يتضمنان رسالة إلهية إلى البشر للهداية والرشد. فالقرآن الكريم لم يتحدث فى أى من آياته العديدة عن الحكم ونظامه أكثر من إشارته إلى المبدأ العظيم "وشاورهم فى الأمر" كما حسم الرسول الكريم الموقف بحديثه الشريف "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
كذلك الأمر فى الدين المسيحى ، فقد حسمها المسيح بقوله "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله).
مسألة تدخل السياسة فى الدين والدين فى السياسة مارستها أنظمة الحكم المسيحية والإسلامية. فبالنسبة للحكم الإسلامى جاء اللبس فى مفهوم العلمانية مترتبا على اللبس فى مفهوم "المرجعية الإسلامية" التى اعتبرت الأحكام التى أسسها الفقهاء والأئمة منذ ظهور المذاهب فى القرن الثالث الهجرى هى الآراء التى تمثل وجهة نظر "الإسلام" فى العلمانية وغيرها من قضايا. ذلك أن الأحكام الفقهية على المذاهب الأربعة (الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية) خضع أصحابها لمناخ سياسى واجتماعى وثقافى هو مناخ عصرهم ومجتمعهم ومعارفهم وإدراكهم. فتأثروا بهذا المناخ وأنتجوا فقههم تعبيرا عنه. وقد أدى تأخير تدوين السنة لمائة عام بعد وفاة الرسول إلى إقحام أعداء هائلة بمئات الألوف - من الأحاديث المكذوبه (يقال أن البخارى أعد صحيحه المتضمن ما يزيد قليلا عن ثلاثة آلاف حديث من بين ستمائة ألف حديث) كما أن أسلوب القرآن الكريم القائم على المجاز الفنى والنظم الموسيقى واللمسة السيكولوجية أفسح المجال للتأويل والتفسير ودخول إسرائيليات عديدة فى كتب التفسير المعتبرة ، وبقدر ما كان الزمن يبعد عن العهد النبوى ويوغل فى ظلمات الحكم الفردى وسيادة الجهالة وهيمنة الفرس والترك على الخلافة ، وتمزق الحكم الإسلامى ، بقدر ما كانت هذه المؤثرات تنعكس على كتابات وأحكام الفقهاء ، لأنه من العسير جدا على الكاتب أن يخرج على أطر عصره ومستوى فهم هذا العصر ، وليس أدل على هذا من أنه عندما تكاثفت الظلمات ، قرر الفقهاء أنفسهم إغلاق باب الاجتهاد وهو ما يصور العجز عن إعمال العقل والتسليم بما ذهب إليه الأئمة والأسلاف ، أى الإفلاس الفكرى وانسحاب العقل. ومع هذا أثر الكتاب الإسلاميون المحدثون ومعهم (أو قبلهم) المستشرقون أن يأخذوا أحكامهم من الأحكام الفقهية الصادرة منذ أكثر من ألف عام واعتبروها "حكم الإسلام".
وبالنسبة للمقارنة بين الإسلام والمسيحية فى الحكم ونظام السلطة ، فإن عوامل معينة اعتبرت الكنيسة الممثلة الوحيدة والمشروعة للديانة المسيحية. حيث كان العصر عصر إقطاع والأيديولوجية الدينية هى التى تسود هذا العصر ، مبررة الاستغلال الواضح والصارخ من ملاك الأراضى الإقطاعيين للفلاحين الأقنان ، ولكى تخفف عنهم معنويا هذا العبء ، كانت تبرره بتبريرات دينية مطلقة باعتبار أنها إرادة الله التى خلقت القن قنا والسيد الإقطاعى سيدا، وتطلب منهم الصبر وتعدهم بالجنة. كانت ظروف تطور هذه المجتمعات تجعل الكنيسة هى السلطة المركزية الوحيدة وسط الدويلات - الإمارات - الإقطاعيات التى كانت تغطى سطح أوربا، وتقسمها إلى مئات الدويلات يحكم كل دويلة نبيل أو دوق أو كونت أو لورد ……… الخ وكان نظام الطوائف الحرفية قائما يفصل بين فئات المجتمع كما يفصل النظام الإقطاعى بين إقطاعية وأخرى.
فى هذه الظروف كانت الكنيسة الكاثوليكية هى القوة الوحيدة ذات السلطة المركزية ، وكان الأساقفه ورسل البابا هم الذين يجوبون أوربا ويخترقون حواجزها فضلا عن أن بعضهم كان يحكم بالفعل دويلات منها. وقد حاول بعض الملوك الأقوياء التخلص من وصاية الكنيسة على سلطتهم فى حكم رعاياهم إلا أن الكنيسة تصدت لهم وأخضعتهم. وحين قامت الحروب بين الأمراء وجهتهم الكنيسة إلى الشرق تخلصا من صراعاتهم وطمعا فى الاغتراف من ثروات هذه البلاد وخيراتها فأعلن البابا إربان الثانى عام 1095 الحروب الصليبية ، وظل الصراع بين الملوك والأمراء فى جانب والكنيسة فى جانب آخر حتى استطاع الملك هزى الثامن ملك إنجلترا أن يتحرر من وصاية الكنيسة الكاثوليكية وأن ينصب نفسه حاميا للعقيدة ، كما ظهر "مارتن لوثر" وخلص ألمانيا من وصاية الكاثوليك وظهرت البروتستنانية التى عبرت عن بزوغ الرأسمالية وسيادة القيم الفردية والإيمان الفردى ، وفى النهاية حسم الصراع لصالح الملوك والقوميات ، وكان السبب الأكبر فى هزيمة الكنيسة هى محاربتها الحريات والعلم والوقوف فى صف النبلاء ضد الجماهير وكذا الوقوف ضد التطور الاقتصادى والسياسى والفكرى البازغ ببزوغ البرجوازيات القومية والانتقال من عصر الإقطاع إلى عصر الرأسمالية.
وعلى ذلك فالكنيسة وليست المسيحية هى التى جعلت الحكم "ثيولوجيا" أما المسيحية نفسها كدين فهى بريئة من هذا الصراع ونتائجه. ذلك أن المسيحية يحكمها قول السيد المسيح "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ، والكنيسة وليست المسيحية هى التى قاومت العلماء والمفكرين وأقامت محاكم التفتيش وباعت صكوك الغفران وفرضت الرقابة على كل إنتاج فكرى.
أما بالنسبة للإسلام ، فالإسلام لا يعترف بالمؤسسة الدينية الرسمية التى تحتكر التفسير والتأويل والتحريم والتحليل، وتكون واسطة بين الفرد والله، وتؤدى وظائفها داخل مبنى معين له شروط معينة ككنيسة ولا تجوز ممارسة الشعائر الدينية فى أى مكان آخر غيره أو على أيدى رجال آخرين. فالأرض كلها مسجد طهور ، وكذلك لم يربط الإسلام أداء الشعائر بالمبنى المعين الذى تقيمه المؤسسة، كما أنه لا يعترف برجال الدين ، فكل إنسان يحفظ القرآن يمكن أن يكون إماماً (جمال البنا روزا اليوسف 1/3/2007) ورغم أن القرآن لم يتعرض لنظام الحكم إلا إرسائه مبدأ الشورى كما أن تجربة الرسول فى الحكم تجربة قصيرة لم تتعد دولة المدينة، وكانت صفته كنبى تستغرق صفته كحاكم، إلا أنه بوفاة النبى عادت قوانين السياسة التى كانت ملجومة فى وجود النبى إلى فعلها. فظهر الحلاف على الإمارة بين المهاجرين والأنصار فى سقيفة بنى ساعدة وقبل دفن النبى ، ثم صارت الفتنة الكبرى فى النصف الثانى من حكم عثمان ثم مقتل على والحسين وتولى معاوية تأسيس دولة الإمبراطورية الإسلامية على النحو الوارد فى تاريخ الحكم الإسلامى. رغم عدم وجود مؤسسة دينية رسمية فى الإسلام إلا أنها كانت موجودة فى "الحكم الإسلامى" فكان الفقهاء هم ظهير الحكام وهم الواعظون للرعية المظلومة والمبررة للمظالم والمهالك التى عاشوها على مر تاريخ "الحكم الإسلامى" ورغم عدم وجود مؤسسة دينية شرعية إلا أن "مؤسسة الأزهر" ظهرت لتحمل التراث السلفى وفقه الأئمة وتدعى احتكار التأويل الإسلامى وتعظ الشعب وتساند الحكام (إلاماندر) ، فتبرر للملك ثم تبرر للاشتراكية التى ادعاها نظام 23 يوليو ثم تبرر لرأسمالية السادات وانفتاحه ثم تبرر للصلح مع إسرائيل ثم تبرر للعصر التالى ، فهى "تشارك" بمعنى ما فى الحكم. وشيخ الأزهر والمفتى لهما درجات وظيفية فى الحكومة ولهما دور فى المراسم الحكومية الرسمية خلف رئيس الوزراء (وكان بابا الفاتيكان قد وجه دعوة للشيخ محمد طنطاوى شيخ الأزهر لزيارته إلا أن موعد الزيارة التى كان محددا لها مارس 2007 أجل وقيل أن سبب التأجيل مشاكل مراسمية حيث أن البابا لن يكون فى استقبال شيخ الأزهر لأنه بدرجة رئيس جمهورية وشيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء) (جريدة الكرامة 20/3/2007).
وهم ينفذون "الخطة الدينية" التى تضعها السلطة التنفيذية فى إقامة المساجد وتعيين وعاظها وخدمها، ويأمون الصلاة فى المناسبات الدينية التى يحضرها الحكام ويراقبون الإنتاج الفكرى الذى يمس "الفكر الدينى" الإسلامى. وتحول الإسلام الذى لا سلطة دينية فيه إلي سلط كهنوتية تمارسها مؤسسة دينية تسعى إلى توسيع نفوذها ومشاركتها السلطة الحاكمة فى الهيمنة والسيطرة، ويحدث ذلك فى إطار من علاقات تبادل المنافع والمصالح. والنتيجة إحدى اثنتين ، إما تحول المؤسسة الدينية الرسمية إلى سلطة "اكليروس" من نوع جديد ، ما ظلت على تحالفها مع الدولة الاستبدادية وما ظلت تعيد إنتاج الخصائص نفسها على المستوى الدينى، أو ممارسة هذه المؤسسة دورا أشبه بدور محاكم التفتيش التى كانت كارثة على الحريات الفكرية والإبداعية. وفى كلا الحالتين تعكس المؤسسة الدينية صفات التسلط فى الدولة فتبدو وكأنها إياها ؛ أو يتسرب إليها من صفات جماعات الإسلام السياسى ما يجعل الفارق بينهما كميا وليس كيفيا ، والشواهد كثيرة أهمها عدم تقبل المؤسسة الدينية لأى اجتهاد مغاير لاجتهادها ، واستخدامها المنطق القمعى فى وصف ما تنتهى إليه على أنه من ثوابت الإسلام وخصائصه، فمن هو المسلم الذى يفكر فى الخروج على ثوابت الإسلام وفرائضه أو يعلن اختلافه مع السلطة الدينية فيها، وهو حال يدنى هذه السلطة إلى حال من الاتحاد مع جماعات التطرف الدينى التى تدعى احتكار معرفة الحقيقة الدينية والإنابة عنها ، وهو الأمر الذى يصل بين الطرفين الذين يبدوان متناقضين فى الظاهر (د. جابر عصفور أهرام 12/3/2007).
المسيحية بريئة إذن من السياسة وكذلك الإسلام برئ منها. لكن رجال الدين أقحموا الدين (الذين هم رجاله) فى السياسة. وفى حين تحررت أوربا بثورة الإصلاح الدينى وفصل الدين عن السياسة وعادت إلى علمانيتها الأصلية كما هى فى العقيدة، إلا أن مصر ومعها "دول العالم الإسلامى" لم تفعل بعد، فلم تقم بثورة الإصلاح الدينى ليعود الإسلام دينا وعقيدة فلا ينشغل بالحكم ولا بالحكام والسياسة بوجه عام ليعود كما كان نقيا علمانيا.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
حسام



ذكر عدد الرسائل : 545
تاريخ التسجيل : 02/04/2007

مُساهمةموضوع: رد: دفـــاع عن العلمانية   الأحد مارس 23 2008, 01:44

- فما هى العلمانية؟
يشيع الإسلام السياسى ووعاظ الأزهر والأوقاف أن "العلمانية" ترادف الإلحاد أى أنها ضد الدين. ويقولون أن المصطلح بفتح العين مشتق من العالم أو الدنيا ، ويعتبرون أن الاهتمام بالعالم والانغماس فى أمور الدنيا تؤدى بصاحبها إلى جهنم لأنها تبعده عن الإيمان بدينه والعمل بشريعته وفرائضه ، وتوجهه نحو هذا العالم المتدنى وتبعده عن الآخرة التى هى أبقى. والعلمانية بكسر العين تشير إلى "العلم" ، والعلم نشاط مادى يستبعد ما هو روحانى. لكن أنصار العلمانية يردون بأن العالم مرتبط بالزمان أى التاريخ ، والتاريخ يتسم بالتغير والتطور ، وهذا التغير والتطور يحدثان فى مكان هو العالم. فالتغير الذى يحدث فى العالم من شأنه أن يحرك الزمان ويطوره. وهذا يعنى أن العالم ليس ثابتا بل متحرك متطور. وهذه الحركة هى التاريخ. وحيث أن هذه الحركة تتسم بالتغير ، والتغير نسبى فإن التفكير فى مجال هذه الحركة - هذا العالم - يصبح هو الآخر نسبيا. بمعنى أن ما يحدث من حركة فى العالم وللعالم من شأنه أن يحدث تغييرا فى تفكير البشر الذين يعيشون فى هذا العالم. وأن البشر الذين كانوا يعيشون فى العالم ويعتقدون أنه ثابت وغير متحرك كما كان سائدا قبل اكتشافات علماء الفلك فى القرن السادس عشر دوران الأرض حول الشمس ، هؤلاء البشر يختلفون عن البشر الذين يعيشون فى نفس العالم ولكنهم على وعى بأن العالم متحرك وأن الأرض تدور حول الشمس وأن هذا الدوران يحدث تغيير فى العالم وللعالم وبالتالى يحدث تغيير فى كل من يحيا فى هذا العالم. وقد أدت ثورة المعرفة هذه إلى الاعتماد فى دراسة الكون من داخل الكون لا من خارجه. يعنى اكتشاف قوانين العالم/الكون بالفعل البشرى لا بالفعل الإلهى أو ما يدعى ذلك. إذن رؤيتنا للعالم/للحياة محكومة بعقل يدور ويتحرك فى هذا العالم ، وهذه الحركة هى التى تشكل وعى الإنسان وتصوغ رؤيته للعالم وللكون. وحيث أن الحركة نسبية وطبيعتها التغير وحيث أن التغير يتسم بالنسبية فإن عقل هذا الإنسان وتفكيره نسبيين. بمعنى أن عقل الإنسان سيتحرر من الوهم بأن معرفته بالعالم تستند إلى حقيقة واحدة ثابتة ولا علاقة لها بالخبرة البشرية. فمعرفة العالم أولى بها وأقدر عليها سكان هذا العالم. وسيدرك عقل الإنسان أن المعرفة متعددة ومتنوعة المصادر طبقا لما يحدث فى العالم من تغير وطبقا لخبرات الإنسان فى هذا العالم المتغير.
العلمانية إذن بهذا المعنى لفظ/إصطلاح مرتبط بالعقل وبأسلوب التفكير وليس مرتبطا بالسياسة والعمل السياسى. وهذا الأسلوب العلمانى فى التفكير محصور فى مجال ما هو متغير. ولا يرتبط بالإيمان الدينى الذى هو مجال المطلق والثابت. وكذلك لا يرتبط بالتفكير فى أمور العقيدة الدينية ، هذه الأمور التى يحددها الله والتى مجالها الوجدان والإيمان والتسليم لا العقل الذى لا يصلح إلا للمتغير والنسبى. فهل يفقد المؤمن إيمانه لمجرد أنه يفكر بطريقة نسبية فى الأمور النسبية (التى ليست من العقيدة) وهل التفكير فى الأمور النسبية والمتغيرة يصرف المؤمن عن الإيمان؟ بالقطع لا ولن يفقد المؤمن إيمانه لكنه سيفقد خضوعه وانصياعه لفتاوى الوعاظ فى أمور الدنيا التى هى خارج العقيدة ، سيفقد وصاية المشايخ على عقله وحياته. فهل إذا تحرر عقل إنسان من سلطة الفقهاء والشيوخ وأصبح تفكيره علمانيا بالمعنى السابق ، أى أصبح معتمدا على عقله فى تسيير أمور حياته ، هل يصبح هذا الإنسان ملحدا وكافرا؟ وهل المؤمن الملتزم بأداء فروضه الدينية والملتزم بالأخلاق الدينية والإنسانية فى تعامله مع البشر والذى يستخدم عقله فى فهم أمور الحياة من سياسة واقتصاد ليكتشف بنفسه الحلول العملية لتطوير حياته، هل يصبح فى هذه الحالة كافرا؟ لا ، لن تتغير درجة إيمان هذا الشخص ، لكن الذى سيتغير هو وعيه بقدرته العقلية ، هذا الوعى سيحرك رغبته فى المشاركة فى تغيير أحوال معيشته ، وأحوال معيشة من حوله. وهذه الرغبة ستولد لديه إرادة المشاركة فى الحياة العامة ، وهذه أولى خطوات الوعى بالمشاركة السياسية ، وهو أمر ممتنع الآن بسبب تسلط الإسلام السياسى والإسلام الرسمى الحكومى (وهو سياسى أيضا) على عقول الناس لمنعهم أو حجبهم عن التحرر من وصايتهم إلى الحد الذى يكفرون فيه كل من يحاول الخروج من دائرة سلطاتهم. لهذا يعمد هؤلاء الناس إلى تديين السياسة وتسييس الدين من خلال ما يسمونه "المرجعية الدينية" غير عابئين بالخلط بين السياسة وهى النشاط المتسم بالتغير والنسبية وبين الدين القائم على الإيمان بالمطلق والثابت الذى لا يتغير.
إن مزج السياسة بالدين يؤدى إلى إشعال الفتنة الطائفية كما يحدث فى العراق ولبنان ويخفى الصراع السياسى تحت ثوب دينى فيضلل الجماهير ويسار بها إلى غير مصالحها، ومن شأنه أيضا تقسيم المجتمع إلى جماعات وطوائف داخل الدين الواحد.
والسؤال : هل العلمانية غريبة عن المجتمع المصرى؟
كان هناك مفكرون رواد علمانيون وليبراليون مثل أحمد لطفى السيد وقاسم أمين وسلامه موسى وطه حسين ولويس عوض ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإسماعيل مظهر وغيرهم وعلى رأس هؤلاء الشيخ على عبد الرازق الأزهرى الذى أصدر كتابا شهيرا هو "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925 ويقول فيه أن قوانين الله لا علاقة لها بنظام الحكم الذى يسمى الخلافة، لقد روج السلاطين بين الناس أن الخلافة مسألة دينية وبذلك اتخذوا من الدين شعارا لحماية عروشهم وللدفاع عن أنفسهم فى مواجهة المعارضين واستطاعوا إقناع الجماهير أن طاعة الأئمة من طاعة الله وأن التمرد عليهم يماثل تمردهم على الله وقال "الخلافة ليست فى شئ من الخطط الدينية ، ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة ، لا شأن للدين بها ، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ، ولا أمر بها ولا نهى عنها ، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم ، وقواعد السياسة كما أن تدبير الجيوش الإسلامية ، وعمارة المدن والثغور ، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها ، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب أو إلى قواعد الحروب ، أو هندسة المبانى وآراء العارفين ، لا شئ فى الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى ، فى علوم الاجتماع والسياسة كلها ، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذى ذلوا له واستكانوا إليه. وأن يبنوا قواعد ملكهم ، ونظام حكومتهم ، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية ، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم" (عن د. وائل غالى - الهلال مارس 2007).
قال ذلك فى مواجهة الملك فؤاد الذى كان يسعى لإعادة الخلافة بتنصيبه خليفة للمسلمين ، لكن هذه الدعوى الشجاعة والواضحة لعلمنة الحكم الإسلامى من قبل شيخ مسلم ، سرعان ما أجهضت من قبل المؤسسة الدينية الإسلامية ، المتمثلة فى الأزهر. فقد أصدر الأزهر حكما من هيئة كبار العلماء بإدانة الشيخ على عبد الرازق وطرده من وظيفته ومن الأزهر ومن دائرة العلماء إرضاء للملك فؤاد ، وهو ما يشبه الحرمان الكنسى الكاثوليكى وهذا هو دور المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية التى تحدثنا عنها سابقا وهى المقابلة للمؤسسة الدينية المسيحية (سلطة الكنيسة) فى العصور الوسطى وقبل الإصلاح الدينى المسيحى.
كما يقدم أعداء العلمانية وفصل الدين عن السياسة حجة لدحضها تقول إن العلمانية نشأت فى الغرب فى سياق مغاير ولظروف خاصة بصراع الكنيسة والإقطاع ضد البرجوازية الناشئة وفى سياق الصراع الدينى بين الكاثوليك والبروتستانت ، وإن كان هذا صحيحا فإن هناك أشياء كثيرة ظهرت فى الغرب لكن هذا لا يمنع منفعتها لنا جميعا ، لأنه وإن كان لكل ثقافة إنجازات خاصة لكن هذا لا يمنع أن هناك إنجازات على مستوى العالم كله ، لأن انتقال التجارب البشرية فى الحكم والعلوم والعمارة بين المجتمعات أمر مسلم به ، فلا يمكن أن يقول أحد أن الديمقراطية وتعدد الأحزاب والبرلمان لم تستفد منه كل المجتمعات رغم ظهورها فى أوربا أساسا ، وليس ضروريا أن يكون كل شئ - إنتاجا محليا.
ومن الأسف أن تلك البذور العلمانية لم يسمح لها أن تنمو وتمتد ويبنى عليها لتصبح تيارا فكريا تعتنقه الجماهير وتقوده غالبية المثقفين من أصحاب الرأى وقادة الفكر بسبب سطوة الإسلام السياسى والمؤسسة الدينية الرسمية وهما فى هذه القضية يقفون فى خندق واحد ومهمتهم واحدة هى التضليل والحفاظ على جهالة الشعب ليظل قابعا فى أسرهم وتحت سطوتهم. وهو حلف ضد العقل وضد شروط تطور المجتمع المصرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. والإسلام السياسى والمؤسسة الدينية الرسمية يعبران عن قوى سياسة تغلغلت فى أجهزة الدولة ومؤسساتها وفى مجلس الشعب والشورى وفى وسائل الإعلام والنشر وفى أجهزة التعليم والتشريع والقضاء وفى القطاع المدنى والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية المنتشرة فى أنحاء البلاد.
وعلى القوى الديمقراطية أن لا تخاف من الدفاع عن العلمانية التى هى جوهر الإصلاح الدينى الذى هو جوهر الإصلاح السياسى والاجتماعى وأن تعد العدة النظرية والمعرفية الشاملة للحوار والمناظرة ، وألا تخشى الرطانة الكاذبة والاتهامات المتهالكة. وإذا كنا ندعوها إلى عدم الخوف والتقدم فى جسارة فإننا ندعوها أيضا إلى عدم تأجيل طرحها.
إن العلمانية مازالت قضية مهمة على جدول أعمال تطور مصر وسيكون إنجازها فاتحا للطريق لكسب الحريات وإنجاز التطور الشامل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
دفـــاع عن العلمانية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ايديولوجيات و اتجاهات فكرية-
انتقل الى: